الهجرة من المعصية إلى الطاعة

إيمان مغازي الشرقاوي /مجلة المجتمع

كانت الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم خير مثال وأعظم دليل على حسن الامتثال لأمر الله عز وجل، وحبه وطاعته وحسن التوكل عليه، فها هو أبو بكر } يقول: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، فرأيت آثار المشركين، قلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم رفع قدمه لرآنا، قال: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" (البخاري).

وها هم أصحابه رضوان الله عليهم قد فروا إلى الله بهجرتهم إليه، وهجروا موطن البلاء حيث الأذى والتنكيل والتعذيب، والفتنة في الدين، فهجروا الشرك ومحل الوثنية آنذاك حيث ثلاثمائة وستين صنماً ووثناً يصطفون حول الكعبة المشرّفة، لكنهم خرجوا من مكة وهي أحب البقاع إلى الله، إلى هناك في يثرب حيث "المدينة" ليذوقوا طعم الحرية التي حوربوا من أجلها وعذبوا كثيراً في سبيل نيلها، حرية الإيمان والعقيدة والدين التي حاول المشركون أن يسلخوهم منها جميعاً..
هاجروا ليذوقوا طعم الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب فتنطق به الجوارح وتلهج به الألسن.. نعم فهم قد خرجوا منها ليعودوا إليها! وها هي بشائر النصر قد هلّت عليهم فإذا هم إليها عائدون فاتحون يحملون بين جوانحهم قلوباً قد صقلها الإيمان وروتها الصحبة وزكاها العمل الصالح، قد نفضوا عن أنفسهم غبار المعاصي وشرورها وأدرانها، عادوا إليها ولكن بأرواح مشرقة عاشت في رحاب الله عز وجل بعد أن اغتسلت في بحار التوبة، وركنت واستكانت إلى طاعته، قد صاروا بفضل الله أتقياء أنقياء يرتعون في رياض الطاعات، التي يفيض نورها عليهم وعلى الناس من حولهم.

وها هي النفوس المؤمنة تضيف إلى هجرتها السابقة هجرة أخرى جديدة باقية إلى يوم القيامة لا يفوت أجرها وثوابها كل مؤمن.. فهم لا يزالون مهاجرين رغم الفتح المبين.. إنها الهجرة من ذل المعصية إلى عز الطاعة.

هل أنت مهاجر إلى الله عز وجل؟: قد تظن أن الفرصة فاتتك لتكون مهاجراً إلى الله عز وجل، لكن بإمكان أي مسلم منا أن ينال شرف الهجرة وأن يكون من المهاجرين، فنبينا محمد سيد المهاجرين صلى الله عليه وسلم يبشرنا فيقول: "إن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" (أحمد).

 

هجرة الخطايا والذنوب..

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب" (أحمد).
وقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم القدوة الحسنة في ترك الذنوب والخطايا والسمو بالروح فوق الشهوات النفسية والحظوظ الدنيوية التي تهوي بها إلى أسفل سافلين بدلاً من أن ترفعها إلى أعلى عليين، فقد هجروا ما يكره الله تعالى من اللذات المحرمة، وإن كان فيها رضا لبعض النفوس المنحرفة عن جادة الصواب الأمارة بالسوء، ونضرب لذلك مثالاً واحداً يبين مدى مسارعتهم إلى طاعة الله ورسوله بما لا يدع مجالاً للشك بأنهم مهاجرون هجرة بعد هجرة، ومجاهدون جهاداً إثر جهاد.
فحينما نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون (91) (المائدة). فعن أبي النعمان قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر منادياً فنادى فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت؟ قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي، ألا إن الخمر قد حرمت، فقال لي: اذهب فأهرقها، قال فجَرَت في سكك المدينة" (البخاري). وقالوا: انتهينا يا رب! قولاً مقترناً بالعمل، إذ لا تغني الأقوال عن الفعال.

وهذا خطاب لجميع المؤمنين بترك هذه الأشياء؛ إذا كانت شهوات وعادات تلبسوا بها وغلبت على النفوس، وليكن لهم في هؤلاء الأبرار مثال حين تركوا شرب الخمر وانتهوا عنها امتثالاً لله وحباً وطاعة وهم من قد نشأوا مغمورين في بحارها، وغضوا أبصارهم عن محارم الله وحفظوا فروجهم وحصنوها بالزواج بعد أن كان الزنى له بيوت وأسواق في جاهليتهم، وانسلخوا من المعاملات المحرمة من الربا وأكل أموال الناس بالباطل وأكل مال اليتيم ظلماً، وقد كان ذلك جزءاً من اقتصاد المجتمع الذي كانوا أفرادا فيه آنذاك، لكن حب الله ورسوله ملك عليهم كل ذرة في كيانهم وتحول بهم إلى هجر المعاصي والخطايا والذنوب بعد أن هجروا الكفر والشرك وعبادة الأوثان إلى غير رجعة.



الصبر عن محارم الله عز وجل..

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله" (مسلم).
وطاعة الله ورسوله تحتاج إلى صبر ومجاهدة فقد قال صلى الله عليه وسلم : "حُفّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات" (مسلم). ويدخل في هذا الصبر المواظبة على فعل الواجبات والكف عن المحرمات؛ وذلك ينشأ عن علم العبد بقبحها وأن الله حرمها صيانة لعبده عن الرذائل، فيحمل ذلك العاقل على تركها ولو لم يرد على فعلها وعيد، ومنها الحياء منه والخوف منه أن يوقع وعيده فيتركها لسوء عاقبتها وأن العبد منه بمرأى ومسمع فيبعثه ذلك على الكف عما نهي عنه.

احذر المعاصي وتجنب آثارها: المهاجر هو من هجر الذنوب والخطايا وهو الذي يهجر ما نهى الله عنه؛ ذلك لأن لتلك المعاصي آثاراً كثيرة تؤثر على العبد وعلى قلبه وروحه وجسده. والكيس الفطن من حذرها واجتنب الطرق الموصلة إليها، وقد اقتطفت لك بعضاً من هذه الآثار باختصار، مما ذكره الإمام ابن قيم الجوزية:
فمن آثار المعاصي: وحشة يجدها العاصي بينه وبين الله تعالى.
وحشة بين العاصي وبين الناس ولا سيما أهل الخير منهم. قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأجد ذلك في خلق دابتي وامرأتي.
ظلمة يجدها العاصي في قلبه، لأن الطاعة نور والمعصية ظلمة. قال ابن عباس }:"إن للحسنة نوراً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق".
حرمان الطاعة، حيث يصرف العاصي وقته في المعصية فيفوته الطاعة.
حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور.
حرمان الرزق: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" (أحمد).
تعسير الأمور، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه.
أنها تمحق بركة العمر، فكما يزيد البر في العمر، فإن المعصية تقصره وتذهب ببركته.
أن العبد يألف المعاصي ويتعود عليها وتضعف عنده إرادة الخير، فتأتي السيئة بأخوات لها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها.
هوان العبد على ربه، كما قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم يكرمه أحد، كما قال تعالى: ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء 18 (الحج).
أنها تورث الذل؛ لأن العز كل العز في طاعة الله تعالى، وكان من دعاء السلف: "اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك".
تفسد العقل وتطبع على قلب صاحبها حتى يعمى.
تدخل العبد تحت لعنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لعن على معاص كما لعن من سب أباه وأمه، وكما لعن النامصة والمتنمصة، ولعن آكل الربا وموكله، وغير ذلك مما ذكر في الأحاديث.
حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوة الملائكة؛ فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، والملائكة تدعو لهم فتقول: فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) (غافر).
تزيل النعم، كما قال علي }: "ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة".
مجلبة للذم وتسقط الكرامة، وتذهب بالحياء، وتجعل العاصي في سجن الشيطان.
تحدث الفساد في الأرض، وتسبب الخسف والزلازل وتلقي الرعب والخوف في القلوب، وتجرّئ على الإنسان أعداءه.


التوبة.. التوبة

كما علينا ألا ننسى أن المعصية كانت سبباً لخروج أبينا آدم عليه السلام وزوجه من الجنة، وأنها سبب الشقاء في الدنيا والآخرة، فلنحذر الوقوع فيها، وإذا ما ضعفنا وارتكبناها فلنعد إلى الله ولنتب إليه ليغفرها لنا ويعفو عنا ويؤمننا من عقابه.. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله بعقاب" (ابن ماجه).


المراجع
فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن قيم الجوزية.

http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InSectionID=78&InNewsItemID=256875

المصدر : http://www.awda-dawa.com/pages.php?ID=8251
إسم الموقع : مآساتنا و الحل عودة و دعوة
رابط الموقع : www.awda-dawa.com