متقدم
Skip Navigation Links
Skip Navigation Links

أمة الإسلام:

لا نؤخر نصر وتمكين أمتنا بذنوبنا

ولنكن من اسباب عزها لا ذلها 

  • مجاهدو القسام على الثغور وقت الافطار في رمضان
  • عائلة الكيلاني" في غزة...هربت من الموت إلى الموت
  • فقدت هذه الطفلة الحركة بعد إصابتها بشظية في رقبتها ! ...لا بأس أمها تعينها ! .....وفقدت أمها واخوتها بنفس القذيفة.
  • اللحظة الأولى لقصف برج السلام وإنهياره في غزة مما أدى إلى ارتقاء 15 شهيد 21 07 2014..
  • بحثوا له عن الأعذار حين زار حائط"البراق"… راجع إعجابك بميسي لكي لاتنضم لـ #الصهاينة_العرب وأنت لاتشعر
  • انتشال جثامين شهداء عائلة البطش من تحت أنقاض منزلهم
  • صورة تمثل عاراً على جبين الإنسانية(والأمة الإسلامية)، كانت هنا عائلة فلسطينية، لا يمكن وصف الصورة على الإطلاق!! #مجزرة_الشجاعية
  • أفراد عائلة كاملة يحتضنون بعضهم البعض ويجلسون تحت درج المنزل.. واستشهدوا بهذه الوضعية.. (صور مؤثرة)...(نحن يا أمة الإسلام مسؤولون,...اللهم أيقظنا لمسؤولياتنا وأصلح أحوالنا)
  • مقطع: الصور الأولى لمجزرة حي الشجاعية الرهيبة في غزة...( اللهم اغفر لنا وايقظنا لمسؤولياتنا ,..فكلنا مسؤولون)
  • مقطع جدا مؤثر: القصف الإسرائيلي يستهدف أطفال غزة ( اللهم أيقظنا لمسؤولياتنا واغفر لنا وردنا إليك وأصلح احوالنا)
  • #صورة - طبيب فلسطيني يتناول إفطاره أثناء عملية جراحية لأحد الأطفال بعد #قصف_غزة ..
  • كفر زيتا استهداف البلدة بغاز الكلور السام الخميس 17\07\2014......(اللهم اغفر لنا وايقظنا لمسؤولياتنا وردنا لسبيل النصر والتمكين,..وانت حسبنا على من ضيعوا المسلمين)
  • رسالة مؤثرة وصلتني من صديق يسكن شمال #غزة بمنطقة ملاصقة للحدود وتشتعل فيها اشتباكات
  • اللحظات الاولى لاستشهاد الاطفال الاربعة من عائلة بكر في شاطئ غزة...(تباً لمن أبعدوا الأمة عن طريق النصر والتمكين)
  • مجزرة قتل أطفال عائلة بكر على شاطئ بحر غزة
  • صورة جداً مؤلمة لطفل من غزة.... اللهم اغفر لنا وردنا إليك وايقظنا لمسؤولياتنا, وانت حسبنا على من ضيعوا أمة الإسلام
  • صورة أطفال يبكون والدهم ووالدتهم.. الذين قضوا بمجزرة راح ضحيتها 19 فرد من العائلة.. #غزة_تحت_القصف...(ألسنا مسؤولون يا أمة الإسلام؟...ايقظنا الله لمسؤولياتنا)
  • (في العصر الذي ضُيِّعت فيه أمة الإسلام؛ فبَعُدَ التمكين وحصل الخذلان) اورومتشي.. امهات شهداء تركستان الشرقية: القمع الوحشي ليس في فلسطين وسوريا فقط!
  • قصيدة: نظرة شامخة من غزة
  • مريم طفلة ولدت بعد 3 محاولات زراعة والآن بين حياة وموت نتيجة قصف الاحتلال.. (صور)
  • فلسطين - غزة : أب يودع طفليه بعد استشهادهما جراء القصف الإسرائيلي..
  • غزة: فيديو مؤثر جدا لأب يبكي ابنه- اصحى بابا جبتلك لعبة (اللهم أيقظنا لمسؤولياتنا, وانت حسبنا على من ضيعوا أمة الإسلام)
  • ماذا يفعل الصهاينة الغاصبون بإخواننا في غزة(في عصر الخذلان).... مقطع: الذي لا تراه عن غزة في الأعلام من القصف السابق (اللهم اغفر لنا وأيقظنا لمسؤولياتنا)
  • غزة: بالصور .. نايفة تتناول إفطارها عند بارئها
  • ومــع الإبادة لأمتنا في شتى البقاع, والمسؤولية الرهيبة علينا جميعــا خاصـــــة العلماء؛ نعيد التذكير بهذه الصرخة! (سائلين الكريم أن ينفع بها)
  • اليس باطن اﻻرض خير لنا من ظاهرها في هذا الزمن؟
  • صورة مفزعة للقصف على غزة........نسخـــــة بلا تحية لقنوات تضييع أمة الإسلام وإشغالها بالحرام والغناء والمجون,.....ولن ينسى التاريخ دوركم في تضييع التمكين على أمتنا وهي تباد في شتى البقاع
  • مقطع خطير مؤثر جدا لاستشهاد أحد مسلمي بورما في ماندلاي بأيدي الإرهاب البوذي..
  • سوريا : مجزرة مروّعة بحقّ عائلة نازحة مكونة من 8 أفراد فيها 6 أطفال دون سن 13 سنة من مدينة نوى، في قرية داعل، قرب مدينة نوى، بريف درعا الغربي.. (صور مؤثرة)
  • الطريفي: ذل الأمة عقوبة ابتعادها عن دينها
    المزيد
    هل تعتقد أن أحداث سوريا ستكون شعلة لصحوة قوية ولتغييرات جذرية في الأمة تعيد لها أمجادها؟
    ملفات وتقارير
    الرئيسية > ملفات وتقارير >
    الظلم والضعف بيئتان للصراعات الداخلية والأطماع الخارجية
    أحمد الشجاع – عودة ودعوة
    08 جمادى الأولى, 1432

    عاملان بارزان يدفعان الشعوب إلى الثورة أو التمرد على حكامها، هما: ظلم الحاكم أو ضعف حكمه.

    وهناك خمسة مصالح طبيعية للإنسان هي نفسها مقاصد الإسلام الخمسة: حفظ الدِين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

    ووضع الإسلام موازينه الشرعية لضبط مسار تحقيق هذه المقاصد بما يحفظ للجميع حقوقهم دون نقص أو زيادة؛ ففي النقص هضم لحقوق الإنسان، وفي الزيادة أطماع ومصالح أنانية تتجاوز حدود المصالح الخمسة المشروعة.

    وتحقيق هذه المقاصد لصالح الإنسان والمجتمع عموماً يحتاج إلى نظام عادل مستقر آمن يشترك في تطبيقه الجميع حكام ومحكومون.. والعلاقة تبادلية بين الجانبين؛ "فكيفما تكونوا يول عليكم" فهذا الخطاب الشرعي الموجه للأمة يبين أن سلوك الحاكم وسياسته هي خلاصة الحال الذي عليه المجتمع، وثمرة من ثمار ما يزرعه المجتمع حلواً كان أو مراً.. في الوقت نفسه تنعكس سياسة الحاكم على حال مجتمعه؛ فهو كالقلب إذا صلح صلحت أحوال المجتمع وإذا فسد فسدت..

    وبالتالي فإن ظلم الحاكم أو ضعفه يؤدي إلى خلل في نظام حفظ المقاصد الخمس؛ فيشعر الإنسان بالخوف والقلق على مصالحه؛ ويصل المجتمع إلى مرحلة عدم الاستقرار؛ لأن كل فرد سيسعى إلى حماية مصالحه أولاً دون النظر في مصالح الآخرين؛ فينتج عن ذلك تصادم في مصالح الناس؛ فينتشر الظلم بين الجميع ويزداد الضغط حتى يصل إلى مرحلة الانفجار؛ لأن الحاكم الظالم لا يأبه بمصالح شعبه وحقوقهم، والحاكم الضعيف عاجز عن تحقيق هذه المصالح وحفظها.

    وثمة مشكلة أخرى في الحاكم الضعيف وهي أنه يعتبر ثغرة يستغلها الأعداء وأصحاب المطامع الخاصة داخلياً وخارجياً..والمصيبة الأكبر هي عندما يجتمع في الحاكم صفتا الظلم والضعف؛ فالنتيجة الطبيعية مدمرة ويشمل ضررها الجميع.

    وهاتان الصفتان موجودتان في العالم الإسلامي وحكامه اليوم؛ فإلى جانب ضعف الدول الإسلامية وهوان حكامها نجد أنهم أبعد ما يكونون عن العدل وحسن التدبير داخل مجتمعاتهم.

    وفي هذه الأحوال ليس غريباً أن نجد هذه الثورات الشعبية في بعض الدول العربية؛ فأسبابها ودوافعها الداخلية كثيرة، ومعظمها تدور حول الخلل الذي أصاب العمل بالمقاصد الخمس بفعل سياسات ظلم الأنظمة الحاكمة وفسادها في أمور الدين والدنيا، إلى جانب ضعفها..

    فالضعف الذي تعيشها المجتمعات الإسلامية وحكامها هو الذي ألجأ الشعب الليبي إلى الغرب طالباً الحماية من حاكمه الظالم.. مع أن الدول الإسلامية كانت أولى بالدفاع عن هذا الشعب المسلم المقهور المظلوم، لكنها تركت المجال للغرب يصول ويجول فوق ليبيا.. وبما أن الغرب لا يقوم بعمل إلا وله فيه مصلحة فإن هدفه ليس حماية الليبيين بل سعياً وراء مصالحه وأطماعه.. فهو إلى الآن لم يقم بتسليح المقاومة الليبية التي تواجه طغيان القذافي.

    ورغم مشروعية الأسباب التي تدفع الشعوب إلى الثورة على حكامها الظالمين – بصرف النظر عن الخلاف الشرعي حول الوسائل – إلا أن هناك مخاوف من المآل المجهول الذي يمكن أن تصل إليه هذه الثورة أو تلك؛ فالنتائج غير واضحة، وتحقيق التوازن في قاعدة المصالح والمفاسد ليس مؤكداً..

    وكل الاحتمالات مطروحة، خصوصاً في ظل البيئة السيئة التي يعيشها العالم الإسلامي اجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وأخلاقياً وسياسياً..

    فلا زلنا في بيئة ضعيفة رديئة مضطهدة فقيرة مفككة تدور حولها الأطماع والأهواء الداخلية الخارجية.

    وأصبح حالنا بين حجري رحى، حائراً بين حاضر مشلول ومستقبل ومجهول، خصوصاً في ظل غياب الوعي الديني وضعف الالتزام بالمنهج الشرعي.

    وتأتي مسألة الانشقاقات أو الانفصال ضمن المخاوف المطروحة في ظل هذه الثورات خصوصاً في اليمن وليبيا؛ فظروف هذين البلدين قد تدفع إلى حدوث صراعات وانقسامات داخلية.

    ففي اليمن هناك تمرد حوثي مذهبي في الشمال، وحركات انفصالية مناطقية في الجنوب، وأحزاب متناقضة في الفكر والمنهج ومتصادمة في السياسات والوسائل.. جمعها وجود خصم مشترك هو النظام الحاكم..وكل هؤلاء وغيرهم دخلوا على خط الثورة الشعبية، وكل طرف منهم يسعى لأخذ نصيبه بحظ أوفر..

    وفي ليبيا يخشى من عودة الصراع بين الأقاليم الثلاثة (برقة وفزان وطرابلس) وبالتالي انقسام ليبيا إلى ثلاثة أقاليم مرة أخرى..وهذه الصراعات والنزاعات في هذين البلدين هي امتداد لما تتعرض له بلاد المسلمين عموماً.. وامتداد تاريخي للصراعات والانقسامات الداخلية التي عانى منها العالم الإسلامي عبر تاريخه الطويل.

    وهي نتيجة من نتائج الضعف أو الظلم الذي عاشتهما المجتمعات المسلمة، وسبباً من أسباب سقوط كثير من الدول الإسلامية ووقوعها فريسة للقوى الخارجية المتربصة بالإسلام والمسلمين.

    وفي هذا التقرير لمحات سريعة عن بعض الحركات الانفصالية في العصر العباسي والعصر العثماني كنموذج لهذه المعاناة.

    في العهد العباسي

    يرى البعض أن الصراعات والتمردات الداخلية ألهت الخلافة العباسية عن المضي قدماً في الفتوحات الإسلامية، فبعد أن تولى المعتصم أمور الدولة سنة (833م) لم يعد مبدأ (الجهاد الدائم) - حماية لهذه الدولة المترامية الأطراف - أحد أركان السياسة العباسية.

    وبحسب بعض الباحثين فقد تقوقع حكام العباسيون "في مشاكل الدولة الداخلية؛ فحصرتهم مشاكلها، وماتوا ببطء".. ويرى باحثون أنه لو وجه هؤلاء الحكام طاقة الأمة نحو "الجهاد" ضد الصليبيين، لتغير أمر الحركات الهدامة التي قدر لها أن تظهر وتنتشر؛ وذلك أن هذه الحركات لا تنتشر إلا في جو مليء بالركود والفساد، والمناخ الوحيد الصالح للقضاء عليها هو المناخ القتالي الذي يكشف المعادن النقية ويذيب المعدن الرخيص".

    وفي هذا الجانب يقول الدكتور جاسم سلطان إن الخلافة العباسية دخلت في عهود الضعف، مع استلام المتوكل 847م مقاليد الحكم، حيث بلغت الدولة أوج اتساعها، وبدت على الخريطة كطائر ذي جسم صغير، وهو العراق والشام. وجناحين كبيرين، ويمثل الجناح الشرقي بلاد فارس، والجناح الغربي مصر والشمال الإفريقي، وقلب ذو كثافة سكانية منخفضة مقارنة بجناحين ثقيلين عريضين، في عصر تشكل القوة البشرية والموارد عناصر حاسمة في صراعات القوة، وأي مرض سيطرأ على عقل الطائر أو جسمه سينعكس على الأجنحة، وسيختل ذلك التوازن الصعب، الذي سبب معضلة الدولة العباسية. وذلك ما حدث، فمع ضعف قلب الدولة، بدأ تفكك الأطراف، فالجناح الغربي وبالتحديد في مصر سيبدأ أول عملية انفصالية على يد السرى بن الحكم سنة 815م، لتظهر في الجناح الشرقي المقابل وبالتحديد في خراسان الدولة الظاهرية سنة 819م..

    وقال: ولو تابعت التواريخ اللاحقة لقيام الدول ستجد عملية التناوب على التفكيك من الأجنحة، ثم الاتجاه للسيطرة على القلب والجسد الضعيف.

    هذا الوضع المجزأ والضعف البادي في القلب، سيغري أولاً الكتل البشرية العملاقة في الغرب على الحركة للاستيلاء على هذه الممالك الغنية، وستبدأ حركة الحروب الصليبية بين العامين 1095م-1291م (نهاية القرن الحادي عشر إلى نهاية القرن الثالث عشر) أي متزامنة مع عمر ثلاث دول إسلامية، الدولة السلجوقية، والدولة الأيوبية، وما يقرب من أربعين سنة من عمر الدولة المملوكية. ويغري ثانياً الكتل البشرية العملاقة من الشرق ممثلة في المغول سنة 1258م أي قبل انتهاء الحروب الصليبية بثلاث وثلاثين سنة ليسقطوا الدولة السلجوقية وينهوا الخلافة العباسية ليوقفهم المماليك في فلسطين 1260م. وفي عين جالوت يتوقف المغول بعد توقيع الصلح مع المماليك 1320م. وبعدها ببضعة عقود يدخل التتار بقيادة تيمورلنك مرة أخرى ليستولوا على بغداد 1393م ويجتاحون المدن السورية ويدمرون دمشق سنة 1401م ويأخذون خيرة الفنانين والصناع إلى عاصمة ملكهم سمرقند قبل أن تصل إليهم جيوش المماليك وتنهي وجودهم في الشام.

    والخلاصة - كما يقول جاسم سلطان - أن القرن الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر الميلاديين ههما قرنان صبغتهما الحروب المتواصلة من أجل البقاء، بما تعنيه الحروب مادياً وبشرياً من تكاليف تكبدها العالم الإسلامي ومناطقه الحضارية. فقد تم تدمير بغداد وحرق مكتباتها على يد المغول ثم قام تيمورلنك بتفريغ المنطقة من خيرة الصناع والفنانين.

    كما كان لحركات الانشقاق المذهبية أثرها الكبير في ضياع الوحدة العقائدية وفي ضياع كثير من مُثل الإسلام الصافية - حسب قول الدكتور عبد الحليم عويس - وفي خلق جو من الفوضى الفكرية والاجتماعية والاقتصادية.

    حركة السرى بن الحكم

    عبيد الله بن السري بن الحكم والي مصر في العهد العباسي. كان قد استقل بالفسطاط (عاصمة مصر في ذلك العصر) بالوجه القبلي، وجزء من الوجه البحري. وقام بمحاربة خالد بن يزيد الشيباني الذي ولاه المأمون على مصر عام 206 هـ\821 م.

    أُسر خالد بن يزيد في المعركة بينه وبين عبيد الله بن السري، ولكن عبيد الله أكرمه وخيره بين المقام في مصر أو الرحيل حيث شاء، فاختار الذهاب إلى مكة.

    الدولة الطاهرية (205-259هـ،820-872م).

    بدأت في خراسان على يد مؤسسها طاهر بن الحسين - أحد قواد المأمون الثقات - فقد ولاه المأمون خراسان سنة 205هـ،820م، ثم أضاف إليه أعمال المشرق كلها من بغداد، فاتخذ نيسابور قاعدة له في خراسان.. وكانت دولة شبه مستقلة.

    وعندما مات طاهر سنة 207هـ، 822م، أقر المأمون ابنه طلحة على ولاية خراسان، فقابل الطاهريون ثقة المأمون بالإخلاص من جانبهم، وكان عبد الله بن طاهر مثلاً في هذا الإخلاص، فقد ولاه المأمون مصر في حياة أبيه، فقضى على الخارجين على الدولة بها، وأصلح أحوالها، وأقام والياً عليها وعلى الشام والجزيرة. وتتبعوا العلويين للقضاء على حركاتهم، وتعاونوا مع الخلافة العباسية في القضاء على الحركات المناوئة. قاتلوا المازيَّار بن قارن صاحب جبال طبرستان عندما خرج على المعتصم، وقبضوا عليه وأرسلوه إلى المعتصم. ومالوا إلى جانب العباسيين في صراعهم مع الدولة الصّفّارية.

    وأصبحت نيسابور في عهدهم مركزًا من مراكز الثقافة الإسلامية. وسقطت هذه الدولة نتيجة لتعرضها لثورات العلويين وقيام الصّفّاريين في وجهها.

    الدولة الصفارية (254 - 289هـ، 868 - 902م)

    قامت في جنوبي إيران، وتنسب إلى يعقوب بن الليث الصفار، وهو رجل مغامر، انتهز فرصة ضعف الخلافة العباسية، واضطراب الأحوال السياسية واستفحال فتنة الزنج، فأغار على أقاليم إيران الجنوبية وفارس وخراسان، وأسقط الدولة الطاهرية؛ فاعترفت به بغداد أميرًا مستقلاً.

    ولكنه لم يكتف بهذا، بل طمع في أن يحل محل الأتراك ببغداد. فرأت الدولة أن ترضيه ريثما تعد عدتها لمواجهته. فأرسلت إليه تقليدًا بولاية خراسان وطبرستان وجرجان والري وفارس، وتعيينه أميراً على شرطة بغداد وسامراء؛ وبذلك حققت له جميع ما طلب.

    لم يقتنع الصَّفار بهذا كله، فأراد السير إلى بغداد ليرغمها على الإذعان لقوته، وليحتل فيها مركز الأتراك؛ لذلك لم يجد الخليفة الموفق بداً من الدخول معه في حرب، فخرج إليه على رأس جيش، فهزمه، وكان سبب الهزيمة هو أنه عندما رأى جند الصَّفار الخليفة على رأس الجيش يحارب الصفار الذي كان أول أمره جندياً مع المتطوعة يحارب الخارجين على الخليفة، انضموا للخليفة.

    عاد الصفار إلى مناطقه ليحصنها ويستعد لجولة أخرى مع الخليفة.. فاستولى على الأهواز من صاحب الزنج، ومع هذا أرسلت إليه الدولة تسترضيه، فجاءه رسولها وهو على فراش الموت، فلم يقبل الترضية، وعاد الرسول، ولم يلبث أن مات الصفار سنة 265هـ، 878م، وخلّف أخاه عَمْرًا، الذي مال إلى طاعة الخلافة.

    ما لبثت الخلافة أن تخلصت من الزنج فاهتمت بالمسألة الصفارية إلى أن قضت على عمرو بن الليث عام 283هـ، 896م، وبقية أعدائها عام 289هـ، 901م.

    ثورة صاحب الزَّنج

    هو علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى قائد إحدى أخطر الثورات ضد الخلافة العباسية. ولد ونشأ في ورزنين من أعمال الري.

    اشتغل بتدريس الخط والنحو والنجوم، وظهر على مسرح الأحداث في عهد الخليفة العباسي المنتصر بالله (247 ـ 248هـ، 861 ـ 862م)، حيث كان واحداً من حاشيته ومستشاريه.

    وعندما تخلص الأتراك من المنتصر شتتوا رجاله بالنفي والقتل والاعتقال، فكان علي بن محمد واحدًا من المعتقلين.

    تخلص من الاعتقال عندما وقعت فتنة بين طوائف الجند، ففتحت أبواب السجون، فغادر بغداد إلى مواطن القبائل العربية في الخليج، عازماً على الثورة، وبدأ بالبحرين وبقبائل هجر.

    وفي سنة 249هـ، 863م ألحقت به الدولة هزائم عدة، فانتقل مع كبار أنصاره إلى البصرة، فناصرته قبيلة بني ضبيعة. ودارت معارك بينه وبين الدولة، وتمكن من اجتذاب الزنج إلى جانبه، وكانوا من الموالي المستضعفين يعملون في تنقية الأرض من الأملاح لتصبح صالحة للزراعة وتثمر لكبار الملاك.

    التقى بريحان بن صالح الزنجي بعد سبع سنوات من بدء الثورة، فدعاه للثورة، فانخرط فيها، وأصبح تحرير العبيد واحداً من أهم مطالب الثورة؛ فتوافد الزنج إلى معسكرات الثورة، فارين من سادتهم، وانضم إليه كذلك فقراء الفلاحين في جنوبي العراق.

    وكانت الحاميات الزنجية في جيش الدولة تنحاز بأسلحتها إلى جيش الثورة عند كل لقاء. وامتدت الثورة إلى البحرين والبصرة والأبلة والأهواز والقادسية وواسط وجنبلاء وأغلب سواد العراق.

    وأقام له دولة وعاصمة أسماها المختارة.. وبَنَت الدولة العباسية مدينة الموفقية تجاه المختارة؛ لتقود منها الحملات على عصابات الزنج. وحاصرتهم الدولة أربع سنوات، ودارت بين الفريقين معارك أسطورية تحدث عنها الطبري في أكثر من مائتي صفحة، وفنيَ خلق كثير من الفريقين. ولم تتمكن الدولة من القضاء عليه إلا بعد عشرين سنة من الصراع المرير.

    دولة ابن طولون

    أحمد بن طولون تُنسب إليه الدولة الطولونية بمصر خلال الفترة (254 - 293هـ)، ولد بمدينة سامراء على عهد الخليفة المعتصم العباسي، ونشأ نشأة عسكرية، ودرس العلوم الدينية في بغداد وطرسوس. كان أبوه طولون مملوكاً تركياً أرسله حاكم بخارى هدية إلى الخليفة العباسي المأمون. وظل يرتقي في المناصب، حتى عينه الخليفة رئيساً لحرَّاسه.

    عين الخليفة العباسي المتوكل الأمير بايكباك (بقبق) والياً على مصر سنة 254هـ، 868م، وكان من عادة هؤلاء الولاة أن يبقوا في مركز الخلافة، وينيبوا عنهم من يذهب إلى الولايات لإدارة شؤونها، فأناب بايكباك عنه أحمد بن طولون ليحكم جزءاً من مصر لمعرفته به، كما تزوج أمه بعد وفاة أبيه طولون. وكان على الإسكندرية إسحاق بن دينار، وعلى القضاء بكار بن قتيبة، وعلى البريد سقير الخادم، وعلى خراج مصر كلها أحمد بن المدبر.

    أظهر أحمد بن طولون براعة وحسن إدارة في ولايته مصر؛ مما جعل الناس يلتفّون حوله، فساعده هذا على النهوض بمصر. وتغلب على الصعاب التي واجهته، وكان من أبرزها:

    1- كانت سلطاته محدودة، ويحكم باسم الأمير بايكباك الذي يمكنه عزله إذا لم يحز رضاه، وكان له منافسون أخطرهم ابن المدبر، الذي كان يطمع في ولاية مصر، فبدأ يحيك الدسائس لابن طولون عند الخليفة.

    2- كانت الفتن والثورات مشتعلة في عهده بمصر من قبل الخوارج والعلويين، فأثَّر ذلك في الحالة الاقتصادية.

    أعانت الظروف ابن طولون لتصفو له مصر؛ فقد قُتل بايكباك، وأُسندت ولاية مصر إلى يارجوخ الذي كان بينه وبين ابن طولون مودة ومصاهرة، فأقره على ما في يده، وزاد في سلطته بأن استخلفه على مصر كلها وتابعتها برقة الليبية.

    توطدت أقدامه بمصر وأصبح يحكمها من قبل الخليفة مباشرة. واستولى على البريد، وقلّده الخليفة خراج مصر سنة 263هـ، 876م، وولاه الثغور الشامية. وبذلك أصبحت كل مصر في يده: الإدارة المالية، والحرب، والقضاء، والبريد.

    ثم أخذ في بناء مؤسسات الدولة ومرافقها الأساسية، وقضى على الفتن الداخلية. وكون جيشاً وأسطولاً قوياً للدفاع عن ملكه، فأكثر من شراء العبيد واستخدام المرتزقة.

    أراد الموفق أخو الخليفة وولي عهده أن يعيد للخلافة قبضتها على الولايات؛ لذا دخل في صراع مع ابن طولون، وكادت الحرب تقع بينهما لولا انشغال الخلافة بثورة الزنج بالبصرة والأهواز.

    واستطاع ابن طولون حصر الصراع في نطاق ضيق، وذلك بأن وطد صلاته مع الخليفة، وأعلن نفسه مدافعاً عن الخلافة.

    وزاد في توسيع ملكه بأن ضم إليه الشام بالقوة بعد موت واليها ماجور، وانتصر على الروم، وخشي بأسه الروم؛ فترضَّوه بالهدايا.

    ويتهم البعض أحمد ابن طولون بأنه ليس أكثر من "انقلابي" سيطر على الحكم في ظل أوضاع معينة مرت بها الدولة العباسية، سمحت له ولأمثاله بإظهار مطامحهم في مزيد من السلطة والشهرة والرغبة الجامحة في السيطرة.

    ومن المآخذ السلبية على الدولة الطولونية انغماس الأمراء الطولونيين – بعد أحمد بن طولون - في لهوهم، وتفشت ظاهرة حب السلطة والاستقلال لدى عمالهم في الأقاليم. وانقلب الثوريون على أنفسهم.

    وقد ولي الأمر بعد خمارويه بن أحمد بن طولون ثلاثة من آل طولون لم يزد حكمهم على عشر سنوات، ولم تستفد البلاد المصرية أو الشامية منهم شيئاً غير الفوضى والتنافس بين الطامعين في السلطة أو الفساد الذي نجم عن الترف، وعن الاستبداد وغيبة الأمة عن الرقابة أو الحكم.

    وتقدمت جيوش الخلافة العباسية  لاسترداد مصر من خامس الولاة الطولونيين وهو شيبان - الذي كانت الفوضى قد وصلت في عهده قمتها وأعلى معدلات خطورتها - وشهدت سنة 292 هـ دخول هذه الجيوش إلى القطائع في القاهرة.. ومن فوق المنبر أعلن إزالة الدولة الطولونية التي لم تستطع أن تحكم أكثر من أربعين سنة عاشتها في صراع خارجي وعاشت معظمها في صراع داخلي.

    كما يُتهم ابن طولون بأنه أول من زرع بذور الحركات الانفصالية في مصر عن الخلافة العباسية، حيث دبت بذور الانفصام في نفوس قوى كثيرة "جياشة بالفوضى، زاخرة بالطموح الشخصي، ناقمة على قيادة العباسيين".

    ابن الصوفي العلوي وخروجه بمصر

    ومن بين الحركات الانفصالية التي ذكرها المؤرخون حركة إبراهيم بن محمد بن يحيى العلوي المعروف بابن الصوفي الذي ظهر في بصعيد مصر سنة 256 هـ، وعم شره البلاد.

    فسير إليه أحمد بن طولون جيشاً فهزمه العلوي، وأسر المقدم على الجيش، فقطع يديه ورجليه وصلبه؛ فسير إليه ابن طولون جيشاً آخر، فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزم العلوي، وقتل كثير من رجاله، وسار هو حتى دخل الواحات.

    ثم ظهر مرة أخرى سنة 259 هـ فدعا الناس إلى نفسه، فتبعه خلق كثير، فسير إليه ابن طولون جيشاً، فسار الجيش في طلبه، فولى هارباً إلى عيذاب، وعبر البحر إلى مكة، وتفرق أصحابه. فلما وصل إلى مكة بلغ خبره إلى واليها فقبض عليه وحبسه، ثم سيره إلى ابن طولون، فلما وصل إلى مصر أمر به فطيف به في البلد، ثم سجنه مدة وأطلقه، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى أن مات.

    عصيان أهل برقة

    وفي سنة 261هـ تمرد أهل برقة على أحمد بن طولون، وأخرجوا أميرهم محمد بن الفرج الفرغاني، فبعث ابن طولون جيشاً عليهم غلامه لؤلؤ، وأمره بالرفق بهم، واستعمال اللين، فإن انقادوا وإلا السيف.

    فسار العسكر حتى نزلوا على برقة، وحصروا أهلها وفعلوا ما أمرهم من اللين، فطمع أهل برقة، وخرجوا يوماً على بعض العسكر، وهم نازلون على باب البلد، فأوقعوا بهم وقتلوا منهم.

    فأرسل لؤلؤ إلى صاحبه أحمد يعرفه الخبر، فأمره بالجد في قتالهم، فنصب عليهم المجانيق، وجدّ في قتالهم، وطلبوا الأمان فأمنهم، ففتحوا له الباب فدخل البلد، وقبض على جماعة من رؤسائهم، وضربهم بالسياط وقطع أيدي بعضهم، وأخذ معه جماعة منهم وعاد إلى مصر، واستعمل على برقة عاملاً.

    وبعد سقوط الدولة الطولونية عادت مصر وسورية إلى حكم العباسيين، بيد أن بذرة الانفصال - كما يطرح البعض - كانت قد زرعت في نفوس قوى كثيرة.

    دولة الأغالبة (184-296هـ، 800- 908م).

    دولة الأغالبة إحدى الدول التي استقلت عن الدولة العباسية في تونس. بدأت هذه الدولة بإبراهيم بن الأغلب ابن سالم بن عقال التميمي حين ولاه الرشيد أمر البلاد عام 184هـ,800م، واعترف به أميراً مستقلاً بإمارته تحت ظل الخلافة العباسية.

    كان إبراهيم أديبًا شاعرًا خطيبًا ذا رأي ونجدة وبأس وحزم وعلم بالحروب والسياسة. لم يتولَّ حكم تونس أحسن سيرة منه، فطاوعته البربر.

    كانت الظروف الخاصة بأفريقيا هي التي جعلت الرشيد يوافق على إقامة هذه الإمارة المستقلة؛ لتكون حاجزًا بين أطماع الأدارسة وبين البلاد الواقعة شرق دولتهم.

    نجح إبراهيم بن الأغلب في أن يوطد حكم أسرته ويقضي على الثورات التي اندلعت في إقليمه، ويوقف طموح الأدارسة بعقد اتفاق يكف بموجبه كل منهما عن الآخر.

    بنا إبراهيم عاصمة جديدة لملكه بدلاً من القيروان وسماها العباسية دليلاً على ولائه للعباسيين. وأخذ يعمل على تكوين قوة بحرية كبيرة لترد هجمات الروم المتلاحقة على سواحل إفريقية، وتبعدهم عن الساحل نهائيًا، ولتستولي على قواعدهم المواجهة للساحل في صقلية ومالطة وسواحل إيطالية الجنوبية والجنوبية الغربية.

    وازدهرت في عهدهم الحياة الاقتصادية والصناعية والثقافية، والعمرانية. وظلت تؤدي دورها المنوط بها حتى نجحت الدولة الفاطمية المغربية في القضاء عليها سنة 296هـ، 908م، كما قضت على الدولة الإدريسية من بعد هذا، وأجبرت الأغالبة على الخروج من تونس إلى مصر.

    الدولة الإخشيدية

    هي إحدى الدول التي استقلت عن الدولة العباسية في مصر والشام، (324- 358هـ، 935- 969م).

    وترجع نسبة هذه الدولة إلى محمد بن طغج بن جف الإخشيد، تركي الأصل من فرغانة. قدم جده جف إلى دار الخلافة في عهد المعتصم. وبدأت حياته العملية تظهر حين اتصل بخدمة ابن بسطام عامل بلاد الشام، وحين جاء إلى مصر وقاتل الفاطميين تحت قيادة تكين التركي، فأعجب به تكين فولاه عُمَان وجبل الشراة سنة 306هـ، 918م، نيابة عنه. وكسب رضا الخلافة فقلدته ولاية الرملة بفلسطين عام 316هـ، 928م، ثم ولاية دمشق سنة 319هـ، 931م.

    ولما كانت مصر في حالة فوضى بعد عزل الطولونيين عنها، رأى الخليفة الراضي أن يوليها ابن طغج. فنجح ابن طغج في إعادة الأمور إلى نصابها، والتصدي لحملات الفاطميين، فمنحه الخليفة لقب الإخشيد، وهو اللقب الذي كان يطلق على ملوك فرغانة، وتصدى لأمير الأمراء ابن رائق في البر والبحر وهزمه، ومن ثم أصبح الإخشيد من أكبر القوى في العالم الإسلامي، ودافع عن الخليفة من عبث ابن رائق، فاعترف له الخليفة بولاية مصر وراثة في أبنائه، وأقره على ما استولى عليه من بلاد الشام، ودخلت الحجاز في سلطانه.

    توفي الإخشيد فخلفه ابناه، وكانا صغيرين، فحكما تحت وصاية مولاه كافور الذي اشتراه ورباه تربية عسكرية وأصبح يترقى إلى أن وصل إلى مرتبة قائد عام الجيش.

    نجح كافور في حروبه مع الحمدانيين، وامتدت حدود دولته إلى طوروس شمالاً والنوبة جنوبًا، وقصده الشعراء، ومنهم أبو الطيب المتنبي، الذي مدحه بغية أن يُوليه ولاية من الولايات، ثم هجاه عندما لم يحصل على بغيته.

    ولم تمض مدة طويلة على موت كافور حتى دخل الفاطميون مصر سنة 358هـ، 969م، واستولوا عليها من الخلافة العباسية.

    الفاطميون العبيديون

    أسرة حكمت ما يقرب من ثلاثة قرون، (298 - 567هـ، 911 - 1171م).

    نشأت في شمال إفريقيا وامتد حكمها إلى مصر وبعض بلاد الشام، وتنتسب إلى مؤسسها أبي عبيدالله الشيعي الملقب بـ"الفاطمي".

    بعث أئمة الشيعة العلويون دعاتهم إلى شمالي أفريقيا لنشر دعوتهم بعيداً عن مركز الدولة العباسية. واستطاع أبو عبيدالله الحسين الشيعي أن يلتقي في أحد مواسم الحج بحُجاج من قبيلة كتامة البربرية، وأقنعهم بتبني الدعوة الفاطمية، وسافر معهم إلى تونس، فوجد البلاد مهيأة لنشر دعوته بسبب كراهية أهلها للأغالبة والعباسيين. فكون قوة عسكرية من الساخطين، فهزم بهم الأغالبة وأنهى حكمهم سنة 296هـ، 909م، واستدعى أحد أئمة الشيعة ـ سعيد بن الحسين ـ ولقبه عبيدالله المهدي، ونادى به خليفة، ليؤسس بذلك بداية الدولة الفاطمية المغربية.

    ذكر المؤرخون كلامًا كثيرًا عن عبيدالله. وكان أول ما قام به بناء عاصمة جديدة تسمى المهدية، ووسع رقعة بلاده بالسيف، وبقوة الأسطول الذي ورثه عن الأغالبة.

    لجأ إلى تدعيم مركزه بالفتوحات المبكرة ليصرف الناس عن الصراع الفكري والسياسي داخل الدولة. ويرى بعض المؤرخين أن سبب انتقال عاصمته إلى المهدية ثم إلى القاهرة هو للخروج من هذا الجو.

    بسط الفاطميون سيادتهم على مصر في عهد المعز لدين الله الفاطمي، الذي خلف عبيدالله المهدي، حين استطاع قائده جوهر الصقلي فتح مصر سنة 358هـ، 969م، وأطاح بالدولة الإخشيدية التي شاخت بعد موت كافور وضربها القحط والوباء، وأسس مدينة القاهرة سنة 358هـ، 969م حيث انتقل إليها المعز سنة 362هـ، 973م، وجعلها عاصمة له تنافس عاصمة الخلافة العباسية.

    وترك أمر المغرب إلى حكم قبيلة صنهاجة البربرية الذين عرفت دولتهم باسم دولة بني زيري نسبة إلى أول ملوكها بلكِّين بن زيري الصنهاجي.. لكن هذه الدولة تمردت على الفاطميين وأعلنت انفصالها عنهم في عهد الملك الفاطمي المستنصر الذي أطلق عليهم القبائل العربية الهلالية، فزحفوا إلى المغرب، يعيثون في الأرض فسادًا، فخربوا المدن وأسقطوا دولة بني زيري.

    وورث الفاطميون ملك الإخشيديين بالشام والحجاز، واستولى على الملك في بغداد قائد تركي يدعى البساسيري وأصبح يدعو من على المنابر للملك الفاطمي المستنصر.

    واستمر الفاطميون في حكمهم المنفصل عن الخلافة العباسية إلى أن سقطت دولتهم في مصر على يد المجاهد العظيم صلاح الدين الأيوبي الذي كان قد بدأ في توحيد العالم الإسلامي والقضاء على بؤر الفتن والاضطرابات تمهيداً لبناء دولته وصد العدوان الصليبي.

    الدولة الحمْدانية

    قامت الدولة الحمدانية سنة 317 هـ في منطقة الموصل ثم في حلب لسببين أولهما: لتسد فراغ كان موجوداً بين قوات ثلاث: قوة الخلافة المتمثلة في أمير الأمراء ببغداد وقوة الإخشيديين ثم الفاطميين في مصر والشام.

    فكانت الحاجة ماسة إلى قوة تتصدى للإمبراطورية البيزنطية التي بدأت في مهاجمة العالم الإسلامي للاستيلاء على الشام و إضعاف أو تدمير القوة الإسلامية في الثغور. وثانيهما: انتعاش العنصر العربي الذي انزوى بعد تقدم العناصر التركية في العراق، وبعد أن أسقط المعتصم العرب من الديوان، ثم تتبع ابنه الواثق حركاتهم للقضاء عليها. ثم أدى وقوع الخلافة تحت نفوذ الأتراك وكذلك الصراع الذي بين الخلفاء وبين المتسلطين من قواد الأتراك إلى محاولة الخلفاء إنعاش هذا العنصر العربي مرة أخرى.

    ثار الحمدانيون في البداية على الدولة العباسية، ولكنها عفت عنهم عندما انتصر الحسين بن حمدان على هارون الشاري وأسره وجاء به إلى المعتضد. وحارب القرامطة، وتدخل في شؤون الخلافة للحد من سيطرة الأتراك على الخلفاء، وأراد إسناد الخلافة لابن المعتز لثقافته وقدرته على أعباء الخلافة. ولكن الأتراك نجحوا في إسناد الخلافة للمقتدر الذي كان طفلاً صغيرًا. وعلى الرغم من هذا الموقف الحمداني من الخليفة الجديد إلا أن سياسة الخلفاء كانت تتجه إلى تقوية هذه القوة العربية لتقف في وجه المناوئين وفي وجه الروم. لذلك وافق المقتدر على تقليد الحمدانيين على الموصل وديار ربيعة، واشتهر منهم سيف الدولة الذي تولى إمارة حلب عندما انقسمت الدولة الحمدانية إلى قسمين: إمارة الموصل وإمارة حلب.

    ولما كان الحمدانيون يمثلون القوة التي تلجأ إليها الخلافة إذا ضاقت بها الأحوال في بغداد، فقد لجأ إليهم الخليفة المتقي فارًا من قوات البريدي التي زحفت على العراق وعجز أمير الأمراء ابن رائق عن الصمود لها، فناصر الحمدانيون الخلافة، وقتلوا ابن رائق وطردوا البريديين وأعادوا الخليفة إلى عاصمته، وتولى إمرة الأمراء في بغداد الحسن بن عبدالله الحمداني، أمير الموصل.

    وعندما أراد سيف الدولة أن يوسع ملكه بالشام ليتمكن من تقوية جبهته أمام الروم، امتد بنفوذه إلى دمشق، الأمر الذي أدى إلى حرب مع الإخشيد، انتصر فيها الإخشيد، وتوصلا أخيرًا إلى صلح يدفع بموجبه سيف الدولة غرامة سنوية للإخشيد وعدم التعرض لدمشق.

    وعندما مات الإخشيد نقض سيف الدولة الصلح، فتصدى له كافور وهزمه، وتم الصلح على بنود الصلح الأول ماعدا دفع الغرامة.

    بدأت الدولة الحمدانية في التفكك بعد سيف الدولة، ووقعت في صراعات داخلية أسرية أدت إلى أن يستعين بعضهم على بعض بالروم والفاطميين. ثم سقطت أخيرًا تحت الضغط الفاطمي المتعاظم في مصر، والنفوذ البويهي من جهة العراق، فورثها الفاطميون في النهاية.. وانتهى أمر هذه الدولة سنة 394هـ.

    كان جهاد الحمدانيين ضد الروم من أبرز الأعمال التي خلدت ذكرى هذه الدولة. وكان ممن خلدوا ذكر الحمدانيين أبو الطيب المتنبي، وأبو فراس الحمداني، وأبو الفرج الأصفهاني الذي ألف كتابه الأغاني خصيصًا لسيف الدولة، والخطيب ابن نباتة.

    وحول ظهور الحركات الانفصالية في العهدين العباسي والأموي يوضح الدكتور عبد الحليم عويس بأنها بدأت وفي فترة متقاربة تظهر في العالم الإسلامي، وكأنها خصيصة جديدة من خصائص التطور التاريخي لهذه الفترة؛ فالأندلس انقسمت عن الخلافة العباسية بقيادة عبد الرحمن الداخل (صقر قريش)، ومثلت بوجودها آخر ومضة من ومضات وجود بني أمية، وظلت باقية ثلاثة قرون تمثل هذه الومضة. وانقسم بنو طاهر في خراسان انقساماً تبعوا فيه دولة الخلافة العباسية عكس بني أمية في الأندلس، وانقسم في مصر ابن طولون في تاريخ قريب من هذا.

    ويرى أن من أسباب قيام الحركات الانفصالية في المغرب العربي هو سياسة عمال بني أمية الذين كانوا قد أساءوا السيرة في الرعية وعاملوهم كمواطنين من الدرجة الثانية.. كما أن أهل العراق بكل ما أثير بينهم من جدل كلامي وفتن عقائدية قد حملوا هذا الجدل وهذه الفتنة إليهم وحرضوهم على خلفاء بني أمية، وولدوا فيهم الرغبة في الانفصال.

    وعلى مشارف القرن الثالث الهجري كانت هناك دول ثلاث منفصلة تحكم المغرب العربي ولا تخضع للخلافة العباسية إلا اسماً، وهي: الأدارسة والأغالبة والرستميون..

    وكانت هذه الدول بوضعها ذاك تمثل الأرض القابلة لأي امتداد طموحي.. ووجد فيها الفاطميون فيما بعد الأرض الصالحة لغرس بذورهم.

    في عهد الخلافة العثمانية

    ظهرت حركات انفصالية كثيرة في عهد الخلافة العثمانية، ففي عصر السلطان أحمد الأول برزت حركات داخلية تهدف إلى تقويض كيان الدولة وبنيانها مثل حركة (جان بولاد) الكردي، وحركة والي أنقرة (قلندر أوغلي)، وحركة فخر الدين بن المعنى الثاني الدرزي الذي انضم إلى السلطان سليم الأول عندما دخل الشام عام (922هـ).

    وسببت تلك الحركات اضطرابات داخلية حتى هيّأ الله للدولة وزيراً محنكاً أكسبه تقدم السن مزيداً من الخبرات والتجارب فعين صدراً أعظم؛ فكان عوناً للسلطان الفتى، وانتصر على الثائرين، وخاصة ثائر الأناضول قلندر أوغلي الذي كان قد عين والياً على أنقرة، فقد نكلت به الدولة، وتمكن الصدر الأعظم قبوجي مراد باشا من تطهير الأناضول من أولئك الثائرين.

    أما فخر الدين بن المعنى الثاني فقد اعتلى السلطة في لبنان عام 999هـ، وكان درزياً كبيراً، واستطاع أن يجمع المعادين للإسلام من نصارى، ونصيرية، ودروز، وأمثالهم.

    الدور الصليبي

    قام أقطاب أوروبا بحبك المؤامرات ضد الخلافة العثمانية ودفعوا الدمى المصطنعة من طلاب الزعامة، وغذوا أوكار الحاقدين والجهلة وشجعوهم على العصيان.

    فمنذ القديم وحتى في عهد السلاطين الأوائل وحين كانت الدولة قوية الساعد مرهوبة الجانب برز بعض الأشخاص بدافع من اليهود وبتأييد من الصليبيين غالباً، كحركة بدر الدين السماوي - في عهد السلطان محمد جلبي - الذي نشط من عام 818 هـ حتى 821 هـ، ودعا إلى حركة تشمل جميع القوميات والأديان، وحارب النصارى واليهود من يونان وسلاف في صفوفه. وامتدت حركته من البلقان حتى شرقي الأناضول.

    ثم جاء شخص آخر يدعى قره يزيجي في عهد السلطان محمد الثالث وهو من مرتزقة الجيوش وأعلن عصيانه على الدولة وامتد عصيانه حتى شمل مناطق كبيرة في البلقان وآسيا الصغرى وشمال سوريا والعراق، وتمكن من الاستيلاء على بغداد وبقيت تحت حكم أنصاره لعدة سنوات.

    أما في لبنان فقد أراد الصليبيون أن لا تهدأ حركات العصيان أبداً؛ نظراً لطبيعتها الجبلية، وتجمع عدد من النصارى فيها، وتعاطف الغرب روحياً هناك حتى تمكن من إيجاد موطئ قدم لنفوذه.

    وظهر التآمر الروسي الصليبي ضد الدولة العثمانية واضحاً، وقاموا بمحاولة تمزيق الدولة من الداخل.. ومن ذلك دعمهم لوالي مصر علي بك الكبير في الخروج على الدولة العثمانية عام (1183هـ/1770م).

    ففي جزيرة (باروس) تم لقاء بين الروس ومبعوثين من قبل علي بك الكبير، وتم التخطيط الماكر لتدمير الدولة العثمانية من الداخل، يكون فيها علي بك الكبير هو مخلب القط، ومعه ضاهر العمر - والي مدينة عكا - وبناءً عليه قاد علي بك أبناء مصر المسلمين لقتال القوات العثمانية في بلاد الشام، ودخل سورية عنوة في عام 1185هـ، بل إنه دخل دمشق، وصيدا وحاصر يافا بمساعدة ضاهر العمر.. وحينما قامت القوات العثمانية بمحاصرة صيدا، عاون الروس عميلهم في رفع الحصار ومدوه بالأسلحة، واستولوا على بيروت عام 1186هـ.

    وجاء الوقت الذي أسر فيه علي بك الكبير، وتوفي في أسره، وقتل الخائن الآخر ضاهر العمر بعد حصار عكا، وذلك على يد محمد بك الشهير بأبي الذهب.

    "إن الصليبية النصرانية عندما عجزت عن مقاتلة الدولة العثمانية في جبهات الوغى لجأت إلى تفجير الدولة من الداخل عبر ضعفاء النفوس ممن ينتسبون إلى الإسلام ويظهرون شعائره، وأضاعوا مفهوم الولاء والبراء في بحر شهواتهم وأطماعهم".

    أما في جهات الشرق فكان خصوم العثمانيين التقليديين يشعلون الثورات بين الحين والآخر، ولمدة ثلاثة قرون متواصلة باستخدامهم البدو والفلاحين الرافضين دفع الضرائب. وكثيراً ما كان ينضم الوالي إلى شاهات إيران ضد الدولة، وقد تمكنت حركة القبائل في جنوبي العراق عام 1061هـ تحت قيادة أسرة السياب من الاستيلاء على البصرة لعدة سنوات، وحدثت اشتباكات متواصلة وبدافع من العجم بين الدولة العثمانية وقبائل المنتفق عام 1102هـ في وادي الفرات الأسفل والأوسط

    ويرى البعض أن أهم الحركات الانفصالية - التي أضعفت الدولة العثمانية ورسخت التبعية للغرب - كانت حركة محمد علي باشا في مصر

    محمد علي باشا والي مصر

    يصفه بعض المؤرخين بأنه واحد من معالم التدهور السياسي لدى الدولة العثمانية، حيث كان شخصية سيئة السمعة معروفاً بالقسوة وغلظة الكبد، ترسله الدولة العثمانية لتأديب القرى التي تتأخر في دفع ما يفرض عليها من المال، فيعسكر هو وأفراد حملته التأديبية حول القرية ينهبون ويسلبون ويفزعون الآمنين، حتى يرى أهل القرية أن الأفضل لهم أن يدفعوا الأموال المطلوبة.. وكان محباً للعظمة الى حد الجنون.

    جاء محمد علي إلى مصر على رأس فرقة من الروملي لإخراج الفرنسيين منها، واستطاع بمكره ودهائه أن يكسب ثقة العلماء في مصر، وسعى في القضاء على منافسيه على ولاية مصر بطرق ملتوية وماكرة وخبيثة حتى أصبح والياً على مصر ابتداءً من 20 ربيع الأول سنة 1220هـ الموافق 18 يونيو سنة 1805م.

    وعلى الرغم من أن محمد علي قد أبدى حماساً شديداً لكي يصبح خادماً مطيعاً للسلطان، وأظهر في سبيل ذلك كثيراً من عبارات التذلل والخضوع للسلطان ودولته، إلا أن السلطان كان على وشك أن يدرك أبعاد هذه العبارات، مظهراً بذلك تخوفه من هذا الوالي الجديد، فأمر بنقله عن ولاية مصر، إلا أن تدخل العلماء مرة أخرى قد جعل السلطان يصدر فرماناً آخر بتثبيته على ولاية مصر في 24 شعبان سنة 1221هـ/ 6 نوفمبر 1806م.

    ومن هنا بدأ محمد علي في تدعيم مركزه الشخصي وتثبيت الولاية في شخصه، وبالتالي في سلالته. وكما يقول الصلابي فإن هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابة، منها: ما حقيقة الدور الذي قام به محمد علي من أجل المصالح الفرنسية والبريطانية؟، ومن الذي كان خلف القضاء على الدولة السعودية الأولى، وعلى ضم الشام إلى مصر؟.

    وكان محمد علي قد أرسل جيشاً إلى شبه الجزيرة العربية فاحتل معظم أجزائها، وبعث بجيش آخر ضم به شمال وأواسط السودان إلى دولته، وإن كان قد فقد هناك ابنه إسماعيل الذي أحرقه السودانيون بقيادة الملك نمر في منطقة شندي. وبذلك تحقق لمحمد علي حلمه في بناء دولة كبيرة بعيدة عن النفوذ العثماني المباشر.

    ونقل الصلابي عن المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي وصفه لمحمد علي بأنه مخادع وكذاب يحلف الأيمان الكاذبة، ظالم لا عهد له ولا ذمة، يضمر السوء واستخدم العسف والجور في نفس الوقت الذي يعد فيه بالعدل.. لا يخفف من عسفه وظلمه واستبداده استجداء شيخ.

    ولقد دعت هذه الصفات البعض بأن يصور محمد علي بأنه ميكافللي، أو أنه تعلم على فكر ميكافللي (صاحب نظرية الغاية تبرر الوسيلة)..

    وهناك من يتهم محمد علي بالانتماء للماسونية، يقول الصلابي: توحي بعض الدلائل على أن الفرنسيين نجحوا في ضم المصريين من المشايخ والعلماء من بينهم الشيخ حسن العطار إلى المحفل الماسوني الذي أسسه كليبر سنة 1800م. فبعد أن هرب الشيخ حسن العطار إلى الصعيد في أعقاب قدوم الحملة الفرنسية كغيره من العلماء ثم عاد إلى القاهرة على أثر دعوة الفرنسيين للعلماء، اتصل على الفور برجال الحملة ونقل عنهم علومهم، وفي نفس الوقت تولى تعليمهم اللغة العربية.

    وقد اندمج إلى حد كبير في علومهم، وكثيراً ما تغزل في أشعاره بأصدقائه منهم. ولقد دعت هذه الأمور أن يوصف العطار بأنه من دعاة التجديد.. وقد توثقت صلة الشيخ العطار بمحمد علي بعد توليه الولاية، وأصبح من الركائز التي يعتمد عليها محمد علي في خطواته التجديدية في مصر؛ وهو أمر يشير إلى وجود صلة بين محمد علي والمحفل الماسوني المصري الذي تأسس إبان الحملة الفرنسية.

    كما أن تطور الأحداث يشير إلى تشبع محمد علي بالأفكار الماسونية التي كان مهيأ لها بحكم تكوينه الطبيعي، فينقل عنه قوله وهو يفاوض الفرنسيين على مسألة احتلال الجزائر: "ثقوا أن قراري.. لا ينبع من عاطفة دينية فأنتم تعرفونني، وتعلمون أنني متحرر من هذه الاعتبارات التي يتقيد بها قومي.. قد تقولون أن مواطني حمير وثيران، وهذه حقيقة أعلمها".

    وقد شهد عصر محمد علي تأسيس أكثر من محفل ماسوني في مصر، فقد أنشأ الماسون الإيطاليون محفلاً بالإسكندرية سنة 1830م، على الطريقة الأسكتلدنية.

    وكانت المصالح الفرنسية ترى دعم محمد علي ليتحقق لها أطماعها المستقبلية في حفظ وتقوية محافلها الماسونية، وإضعاف الدولة العلية العثمانية، وزرع خنجرها المسموم في قلب الدولة العثمانية؛ ولذلك أنشأت لمحمد على أسطولاً بحرياً متقدماً متطوراً، وترسانة بحرية في دمياط، والقناطر الخيرية لتنظيم عملية الري في مصر..

    لقد قام محمد علي بدور مشبوهاً في نقل مصر من انتمائها الإسلامي الشامل إلى شيء آخر يؤدي بها في النهاية إلى الخروج عن شريعة الله، وكانت تجربة محمد علي قدوة لمن بعده من أمثال مصطفى كمال أتاتورك..

    لقد كان لمحمد علي دور في إضعاف الأمة، والقضاء على شوكتها وتنفيذ مخططات فرنسا وبريطانيا..

    وحرص على أن يجمل صورته في أعين الغرب، ويقفوا آثارهم، بل ويفكر كما قال عن نفسه "بعقل إفرنجي وهو يلبس القبعة العثمانية".

    لقد قام محمد علي نيابة عن فرنسا وبريطانيا وروسيا والنمسا وغيرها من الدول الأوروبية بتوجيه ضربات موجعة للاتجاه الإسلامي في كل من مصر، والجزيرة العربية، والشام، والخلافة العثمانية عموماً؛ مما كان لها الأثر في تهيئة العالم الإسلامي للأطماع الغربية.

    وسلك محمد علي سياسة من أبرز علاماتها الظلم والقهر والاستعباد ضد جموع الشعب المصري؛ فجمع حجج الأرض من الفلاحين وفرض عليهم السخرة، أو دفع ضريبة بديلة، وحرم عليهم أن يأكلوا شيئاً من كد أيديهم، وأبطل التجارة، وزاد في أسعار المعايش أضعافاً مضاعفة.. وفرض الضرائب التي لا يطيقون دفعها، وجعل كل نشاط اقتصادي يؤول إليه، ونقم على الناس.

    وأرجع الجبرتي ذلك إلى ما يتسم به محمد علي من "داء الحسد والشره والطمع والتطلع لما في أيدي الناس وأرزاقهم".

    وقد نتج عن هذه السياسة كره الفلاحين الشديد لمحمد علي وأعوانه، وهروبهم من الأراضي الزراعية، وترك قراهم فراراً من السياسة الظالمة، وأعرضوا عن الاشتراك في جيشه؛ فقد بلغ عدد الفلاحين الفارين في عام واحد هو عام 1831م ستة آلاف فلاح.

    أما في المدن وبخاصة في القاهرة فيذكر الجبرتي أن محمد علي حين كلف الناس بتعميرها (اجتمع على الناس عشرة أشياء من الرذائل وهي السخرة والعونة وأجرة الفعلة والذل والمهانة وتقطيع الثياب ودفع الدراهم وشماتة الأعداء وتعطيل معاشهم وأجرة الحمام.

    لقد كان الجبرتي معاصراً لسياسة الظلم التي مارسها محمد علي على الشعب المسلم في مصر الذي امتص حقوقه وخيراته، وفتح للتجار الأوروبيين الباب على مصراعيه لدخول مصر والهيمنة على اقتصادها. وأصبحت مصر هي المزرعة التي تعتمد عليها أسواق أوروبا من المنتجات الزراعية، وارتبطت مصر بأوروبا ارتباطاً حضارياً وتجارياً.. وأصبح اعتماد طبقة التجار الناشئة في مصر على الأسواق الأوروبية من الناحية الاقتصادية وبالتالي السياسية، إلى جانب تمكين دعاة الثقافة الأوروبية من السيطرة على الحياة الفكرية بعد أن شل دعاة الاتجاه الإسلامي.

    وأوقف مناهج التعليم القائمة على الدين تنفيذاً لسياسية نابليون الماسونية، وهو أمر أكده المؤرخ الانجليزي أرنولد تويني في قوله: "كان محمد علي ديكتاتوراً أمكنه تحويل الآراء النابليونية إلى حقائق فعالة في مصر"، حسب ما نقله الصلابي.

    كما أنه فتح باب الدعوة إلى الوطنية والقومية ومارس سياسة التضييق على دعاة الفكر الإسلامي من العلماء والمشايخ؛ فكان هذا الاتجاه مسايراً لمساعيه الرامية إلى الاستقلال بمصر وبالتالي إبعادها عن الارتباط بدولة الخلافة الإسلامية.

    الخلاصة

    في غالب الأحوال لم تظهر الحركات الانفصالية عبر التاريخ الإسلامي إلا في ظل ظروف ألجأتها أو شجعتها على ذلك.. فحالات الضعف التي أصابت الخلافة العباسية شجعت كثيراً من الأطراف الداخلية على التمرد والانفصال عن الخلافة.. ونفس الأمر خلال العهد العثماني..

    ورغم أن بعض الدويلات التي استقلت عن الخلافة العباسية كان لها دور في خدمة الإسلام، إلا أن مجرد الانفصال عن الدولة الإسلامية الجامعة يمثل مدخلاً من مداخل تفكيك الأمة وإضعافها، ويحدث ثغرات في العمل الإسلامي الموحد..

    أما في العهد العثماني فالوضع كان أسوأ؛ حيث كانت كثير من الحركات الانفصالية أدوات استخدمتها القوى الغربية في ضرب الإسلام والمسلمين ونجحت في ذلك..

    وهكذا استمر مسلسل ضرب الأمة من الداخل.. ولا زالت مشاهد هذا المسلسل تتوالى تباعاً.

    وفي ظل التبعية والضعف والعجز الذي يعيشه العالم الإسلامي فإن القوى الخارجية المهيمنة ستسعى جاهدة إلى منع الثورات الشعبية التي تشهدها المنطقة العربية هذه الأيام من الوصول إلى ما يخدم الإسلام والأمة الإسلامية.. وستحاول حصرها في الإطار الذي يخدم المصالح الغربية أو على الأقل لا يتعارض معها..

    وبذلك ستذهب صيحات وتضحيات هذه الشعوب هباءً منثوراً.. وسيظل منهج التبعية للغرب قائماً؛ حيث لم يظهر إلى الآن ما يدل على أن هناك رغبة تامة في الخروج عن هذا المنهج، فالكل يتوجه شطر الغرب يلتمس منه الدعم في مواجهة الآخر..ولم نجد من يلجا إلى شرع الله بحثا عن الحل ، فجرفتهم أمواج الأطماع الغربية ، وأمثال هؤلاء لا عاصم لهم.

    ـــــــــــــــــــــــ

    المصادر

    - (الكامل في التاريخ)، ابن الأثير.

    - (عوامل انهيار الدولة العثمانية)، الناشر المكتب الإسلامي.

    - (الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط)، د. علي محمد الصلابي.

    - الموسوعة العربية العالمية.

    - (دراسة لسقوط ثلاثين دولة إسلامية)، د. عبد الحليم عويس.

    - (الذاكرة التاريخية للأمة)، د. جاسم سلطان.

    عدد المشاهدات: 14032


    موقع "عودة ودعوة" غير مسؤول عن التصريحات المسيئة أو استخدام عبارات استفزازية أو غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسؤولية على الموقع

    لا توجد تعليقات


    اليوم: 26 رمضان, 1435
    Skip Navigation Links
  • رمضانيات سريعة
  • تأملات في موقف المقاوم والمفاوض الفلسطيني..
  • كاريكاتير : إلى الجيوش العربية..
  • اسرائيل تغتال 4 أطفال من قيادات فلسطين‎..
  • نار غزة تحرق " تل أبيب"
  • حماس الرقم الصعب في المعادلة الإسرائيلية..
  • كاريكاتير : الحرب على غزة..
  • كاريكاتير : مصر وغزة..
  • هنا غزة..
  • قصة غزة
  • العمل.. قيمة الإنسان..
  • ولهذا نحب حماس..
  • ورد الأميرة..
  • لهذا يكرهون حماس..
  • رزق وخصب ونصر..
  • دور إمام و خطيب المسجد في تقوية عقيدة و أخلاق المسلمين..
  • أيها السادة.. الدعوة عامة في النظام العالمي.. إلا الإسلام يُحظر عليه الحضور!!
  • القمع الصهيوني وكي الوعي الفلسطيني..
  • وقفات تربوية مع دعاء ليلة القدر
  • (الوضع في العراق مقبرة للمخطط الإيراني الممتد من الفرات الى النيل) (وإنهاء لحُلم اليهود بإقامة دولتهم الممتدة من النيل الى الفرات)..
  • فلا تظالموا..
  • (ماذا يجري في العراق؟؟؟المجاهدون في العراق والشام يُحطمون المشروع الفارسي المجوسي الشيعي)
  • تصادم الإرادات ومفهوم التوحيد..
  • الظلم.. الفطرة المنتكسة..
  • انقذوا أهل السنة في سجون إيران
     أضف مشاركتك   المزيد
  • شبابنا الغيور يستنكرون بأسلوبهم دعم #ميسي لليهود
  • كاريكاتير:بلاد العرب أوطاني!!
  • مقطع رائع: الله اكبر حماس البطولة تضرب مصنع في سيدروت...استمتــــع برؤية الإنفجار الثاني(في نهاية المقطع)
  • لقاء سابق عن غزة الصمود.. - يوم الجمعة 02-01-1434هـ الموافق: 16-11-2012م. تقديم: د. فهد بن عبد العزيز السنيدي.. ضيوف الحلقة: فضيلة الدكتور/ عبد الغني بن أحمد ...
  • كتائب القسّام تستهدف قوة صهيونية خاصة شرق جحر الديك بصاروخ موجه من طراز "كونكرس".. (مقطع)
  • المعتكفون في المسجد الأقصى يقاطعون وجبات السحور المقدمة من دولة الامارات بعد دورها في حرب غزة (صورة)
  • انتصار المقاومة زلزال حقيقي في عواصم المنطقة..
  • كاريكاتير : وحل غزة..
  • غزة وحماس.. أم القضية والأمة؟
  • جندي من "غولاني" يروي تفاصيل بسالة المقاومة بمعركة الشجاعية..
  • أهل غزة لن يضرهم من خذلهم تغريدات للشيخ د.عوض القرني
  • (عصام الشايع ) غزة تنتصر !! Gaza wins
  • مظاهرة سورية.. من حماه إلى غزة.. (مقطع)
  • إحصائية 14 يوم من رد مجاهدي غزة على إجرام بني صهيون..
  • مقطع: معلومة يجهلها أغلب المسلمون (الشيخ وجدي غنيم)
  • كاريكاتير : الطفل الشهيد..
  • فلسطين قضية عقيدة، مقطع مميز للدكتور راغب السرجاني يؤكد فيه على أن قضية فلسطين يجب أن تكون بالنسبة للمسلمين عامة قضية عقدية لا يجوز التنازل عنها قط.
  • من أعان يهود.. (صورة)
  • عام مضى على ميلاد أبي..
  • الإسلام في سوازيلاند..
  • كاريكاتير: إبن حرام اللي!
  • قناص غزة للجندي الصهيوني: لا تتحرك انت في مرمى حماس
  • القناة الصهيونية الثانية:سكان غزة يفضلون الموت في الحرب مع اسرائيل بدل الموت البطئ تحت الجوع والحصار (صورة معبرة)
  • تقارير: الجيش الإسرائيلي قضى ليلة مرعبة في غزة..
  • الحرب الفاضحة..
  • معتمر مغربي يتوضأ وهو مبتور اليدين والقدمين!
  • [ نشيد ] ستسألون يا مسلمون | فضل شاكر |
  • القسام تبيد دورية عسكرية صهيونية وتقتل 6 جنود في عملية جريئة..
  • علي شريعتي يخدعنا..
  • مقطع: "هنا غزة" رائعة الشاعر الفلسطيني جهاد الترباني
  • تغريدات الشيخ أحمد بن عبدالرحمن الصويان عن العدوان الصهيوني على غزة
  • كاريكاتير معبر عن غزة
  • أمتنا تهزأ بالحدود.. أمتنا تحطّم القيود.. أمتنا تجود وتجود.. أمتنا تعود.. فأين المفر يا يهود..؟ الصورة من درعا.
  • كاريكاتير: أين ذهبت أنوثتكي!!
  • خطاب كتائب القسام في اليوم 12 لمعركة العصف المأكول
      المزيد
      التصنيف: